الذهبي

49

سير أعلام النبلاء

وهاجت الفتنة الكبرى بالعراق ، فتنكر الترك للمستعين ، فخاف ، وتحول إلى بغداد ، فنزل بالجانب الغربي على نائبه ابن طاهر ، فاتفق الأتراك بسامراء ، وبعثوا يعتذرون ، ويسألونه الرجوع ، فأبى عليهم ، فغضبوا ، وقصدوا السجن ، وأخرجوا المعتز بالله ، وبايعوا له ، وخلعوا المستعين ، وبنوا أمرهم على شبهة ، وهي أن المتوكل عقد للمعتز بعد المنتصر ، فجهز المعتز أخاه أبا أحمد لمحاربة المستعين ، وتهيأ المستعين وابن طاهر للحصار ، وإصلاح السور ، وتجرد أهل بغداد للقتل ، ونصبت المجانق ، ووقع الجد ، ودام البلاء أشهرا ، وكثرت القتلى ، واشتد القحط ، وتمت بينهما عدة وقعات ، بحيث إنه قتل في نوبة من جند المعتز ألفان ، إلى أن ضعف أهل بغداد وذلوا وجاعوا ، وتعثروا ( 1 ) . فما أصبرهم على الشر والفتن ، وقوي أمر المعتزية ، فكاتب ابن طاهر في السر المعتز ، وانحل نظام المستعين ، وإنما كان قوام أمره بابن طاهر ، وكاشفه الناس ، فتحول إلى الرصافة ، ثم سعى الناس في الصلح ، وخلع المستعين ، فأقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط وثيقة ، فأذعن بخلع نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين ، وأشهد عليه ، فأحدر بعد خلعه تحت الحوطة إلى واسط ، فاعتقل بها تسعة أشهر ، ثم حول إلى سامراء ، فقتل بقادسية سامراء في ثالث شوال من السنة ( 2 ) . وقيل : قتل ليومين بقيا من رمضان ، وله إحدى وثلاثون سنة وأيام . فيقال : بعث المعتز إليه سعيدا الحاجب ، فلما رآه المستعين تيقن التلف ، وبكى ، وقال : ذهبت

--> ( 1 ) انظر خبر هذه الفتنة في " تاريخ الطبري " 9 / 282 وما بعدها ، و " فوات الوفيات " 1 / 140 ، و " الوافي بالوفيات " 8 / 94 ، و " تاريخ الخلفاء " : 358 ( 2 ) " تاريخ بغداد " 5 / 85 ، و " الكامل " 7 / 172 ، و " فوات الوفيات " 1 / 140 ، و " الوافي بالوفيات " 8 / 94 ، و " تاريخ ابن كثير " 11 / 11 .